فخر الدين الرازي
277
تفسير الرازي
وعلي بن أبي طالب وعبيدة قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يوم بدر ، أخبر أن هؤلاء لم يوادوا أقاربهم وعشائرهم غضباً لله ودينه وثالثها : أنه تعالى عدد نعمه على المؤمنين ، فبدأ بقوله : * ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المعنى أن من أنعم الله عليه بهذه النعمة العظيمة كيف يمكن أن يحصل في قلبه مودة أعداء الله ، واختلفوا في المراد من قوله : * ( كتب ) * أما القاضي فذكر ثلاثة أوجه على وفق قول المعتزلة أحدها : جعل في قلوبهم علامة تعرف بها الملائكة ما هم عليه من الإخلاص وثانيها : المراد شرح صدورهم للإيمان بالألطاف والتوفيق وثالثها : قيل في : * ( كتب ) * قضى أن قلوبهم بهذا الوصف ، واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة نسلمها للقاضي ونفرع عليها صحة قولنا ، فإن الذي قضى الله به أخبر عنه وكتبه في اللوح المحفوظ ، لو لم يقع لانقلب خبر الله الصدق كذباً وهذا محال ، والمؤدي إلى المحال محال ، وقال أبو علي الفارسي معناه : جمع ، والكتيبة : الجمع من الجيش ، والتقدير أولئك الذين جمع الله في قلوبهم الإيمان ، أي استكملوا فلم يكونوا ممن يقولون : * ( نؤمن ببعض ونكفر ببعض ) * ( النساء : 150 ) ومتى كانوا كذلك امتنع أن يحصل في قلوبهم مودة الكفار ، وقال جمهور أصحابنا : * ( كتب ) * معناه أثبت وخلق ، وذلك لأن الإيمان لا يمكن كتبه ، فلا بد من حمله على الإيجاد والتكوين . المسألة الثانية : روى المفضل عن عاصم : * ( كتب ) * على فعل ما لم يسم فاعله ، والباقون : * ( كتب ) * على إسناد الفعل إلى الفاعل والنعمة الثانية : قوله : * ( وأيدهم بروح منه ) * وفيه قولان : الأول : قال ابن عباس : نصرهم على عدوهم ، وسمى تلك النصرة روحاً لأن بها يحيا أمرهم والثاني : قال السدي : الضمير في قوله : * ( منه ) * عائد إلى الإيمان والمعنى أيدهم بروح من الإيمان يدل عليه قوله : * ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ) * ( الشورى : 52 ) النعمة الثالثة : * ( ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) * وهو إشارة إلى نعمة الجنة النعمة الرابعة : قوله تعالى : * ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) * وهي نعمة الرضوان ، وهي أعظم النعم وأجل المراتب ، ثم لما عدد هذه النعم ذكر الأمر الرابع من الأمور التي توجب ترك الموادة مع أعداء الله فقال : * ( أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) * وهو في مقابلة قوله فيهم : * ( أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) * ( المجادلة : 19 ) . واعلم أن الأكثرين اتفقوا على أن قوله : * ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) * نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد فتح مكة ، وتلك القصة معروفة وبالجملة فالآية زجر عن التودد إلى الكفار والفساق . عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : " اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت * ( لا تجد قوماً ) * إلى آخره " والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين وخاتم النبيين ، سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين .